الشيخ حسن المصطفوي

132

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

إذا خلط بالملح وقطر في الاذن سكن ما فيها من الألم . وإذا عجن بالدقيق ووضع على الأروام المتقيّحة فتحها وامتصّ ما فيها من القيح . والتحقيق أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو ما يكون حلوا لطيفا ليّنا فيه ميعان في الجملة . وأما كونه مأخوذا من النحل أو يكون على خصوصيّات وصفات خاصّة على التحقيق والدقّة ، فليس من شرائط الأصل . وهذا المعنى منظور في جميع الموارد : فانّ الفاعل والمؤثّر والزمان والمكان والآلات وسائر النسب والخصوصيّات والآثار الدقيقة ، لا تؤخذ في مفهوم الحقيقة الموضوع عليها اللفظ . فالإنسان مثلا موضوع على نوع مخصوص من الحيوان ممتاز عن سائر الأنواع بخصوصيّات عرفيّة ، في أىّ مكان أو زمان أو لون أو صفات مخصوصة تحقيقيّة ، على صحّة أو سقم أو كمال أو ضعف ، وعلى أىّ نسبة إلى أرحامه وأقاربه ، في حال صغر أو كبر ، وعلى أىّ درجة من جهة قواه الظاهريّة والباطنيّة . وهكذا في مفاهيم الماء والحجر والتراب والفرش واللباس والسراج والكتاب والقرطاس واللبن والخبز والعنب والخلّ وغيرها . فكما أنّ اللبن والخلّ والخبز وأمثالها : لا يؤخذ في مفاهيمها ، المبادي والأجزاء والشرائط وسائر الخصوصيّات الدقيقة ، بل يلاحظ فيها خصوصيّات معيّنة عرفيّة . فاللبن مثلا مايع أبيض له طعم مخصوص وصفاء ولطف مخصوص ، سواء يحلب من جمل أو بقر أو غنم أو معز أو غيرها ، لطيف أو غليظ ، ولا يلاحظ فيها سائر الخصوصيّات بالدقّة والتحقيق . بل قد يؤخذ من موادّ خارجيّة ، كما في المأخوذ عن اللبن اليابس المنجمد . فهذا المعنى قد خفى على أكثر المحقّقين والمؤلَّفين والأدباء ، فوقعوا في مضيقة ومزلَّة ومضلَّة وانحراف ، حتّى أنّ بعض المفسّرين قد ضاق عليهم تفسير اللبن والعسل والخمر في آية .